محمد بن جرير الطبري
199
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا قال : نزلت في يوم الأَحزاب ، أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاء وحصر ، فكانوا كما قال الله جل وعز : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وأما قوله : وَلَمَّا يَأْتِكُمْ فإن عامة أهل العربية يتأولونه بمعنى : ولم يأتكم ، ويزعمون أن ما صلة وحشو ، وقد بينت القول في " ما " التي يسميها أهل العربية صلة " ما " ، حكمها في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته . وأما معنى قوله : مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ فإنه يعني : شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم . وقد دللت في غير هذا الموضع على أن المثل الشبه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن عبد الملك بن جريج ، قال قوله : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال : هو خيرهم وأعلمهم بالله . وفي قوله : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وجهان من القراءة : الرفع ، والنصب . ومن رفع فإنه يقول : لما كان يحسن في موضعه " فعل " أبطل عمل " حتى " فيها ، لأَن " حتى " غير عاملة في " فعل " ، وإنما تعمل في " يفعل " ، وإذا تقدمها " فعل " وكان الذي بعدها " يفعل " ، وهو مما قد فعل وفرغ منه ، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول ، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع في " يفعل " وإبطال عمل " حتى " عنه ، وذلك نحو قول القائل : قمت إلى فلان حتى أضربه ، والرفع هو الكلام الصحيح في " أضربه " ، إذا أراد : قمت إليه حتى ضربته ، إذا كان الضرب قد كان وفرغ منه ، وكان القيام غير متطاول المدة . فأما إذا كان ما قبل " حتى " من الفعل على لفظ " فعل " متطاول المدة ، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقض ، فالصحيح من الكلام نصب " يفعل " وإعمال " حتى " وذلك نحو قول القائل : ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك ، وجعل ينظر إليك حتى يثبتك ؛ فالصحيح من الكلام الذي لا يصح غيره النصب ب " حتى " ، كما قال الشاعر : مطوت بهم حتى تكل مطيهم * وحتى الجياد ما يقدن بأرسان فنصب تكل والفعل الذي بعد حتى ماض ، لأَن الذي قبلها من المطو متطاول ، والصحيح من القراءة إذا كان ذلك كذلك " وزلزلوا حتى يقول الرسول " ، نصب يقول ، إذ كانت الزلزلة فعلا متطاولا ، مثل المطو بالإِبل . وإنما الزلزلة في هذا الموضع : الخوف من العدو ، لا زلزلة الأَرض ، فلذلك كانت متطاولة وكان النصب في " يقول " وإن كان بمعنى " فعل " أفصح وأصح من الرفع فيه . القول في تأويل قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك أصحابك يا محمد ، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به ، وعلى من ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به ؟ فقل لهم : ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم ، ولليتامى منكم والمساكين وابن السبيل ، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم ، وهو محصيه لكم حتى يوفيكم أجوركم عليه يوم القيامة ، ويثيبكم على ما أطعتموه بإحسانكم عليه . والخير الذي قال جل ثناؤه في قوله : قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ هو المال الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من النفقة منه ، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية . وفي قوله : ما ذا وجهان من الإِعراب : أحدهما أن يكون " ماذا " بمعنى أي شيء ، فيكون نصبا بقوله : " ينفقون " ، فيكون معنى الكلام حينئذ : يسألونك أي شيء ينفقون ، ولا ينصب ب " يسألونك " . والآخر منهما الرفع . وللرفع في " ذلك " وجهان : أحدهما أن يكون " ذا " الذي مع " ما " بمعنى " الذي " ، فيرفع " ما " ب " ذا " و " ذا " ب " ما " ، و " ينفقون " من صلة " ذا " ، فإن العرب قد تصل " ذا " وهذا كما قال الشاعر : عدس ما لعباد عليك إمارة * أمنت وهذا تحملين طليق ف " تحملين " من صلة " هذا " ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : يسألونك ما الذي ينفقون . والآخر من وجهي الرفع أن تكون " ماذا " بمعنى أي شيء ، فيرفع " ماذا " ، وإن كان قوله : يُنْفِقُونَ واقعا عليه ، إذ كان العامل فيه وهو " ينفقون " لا يصلح